زكريا القزويني

112

آثار البلاد واخبار العباد

بطيبها في الآفاق . والمدينة ذات قصور ومبان محكمة . بها بستان عبد المؤمن بن عليّ أبي الخلفاء ، وهو بستان طوله ثلاثة فراسخ ، وكان ماؤه من الآبار فجلب إليها ماء من أعماق تسير تسقي بساتين لها . وحكى أبو الربيع سليمان الملتاني ان دورة مرّاكش أربعون ميلا . ينسب إليها الشيخ الصالح سني بن عبد اللّه المراكشي ، وكان شيخا مستجاب الدعوة ، ذكر أن القطر حبس عنهم في ولاية يعقوب بن يوسف فقال : ادع اللّه تعالى ان يسقينا . فقال الشيخ : ابعث إليّ خمسين ألف دينار حتى أدعو اللّه تعالى أن يسقيكم في أيّ وقت شئتم ! فبعث إليه ذلك ، ففرّقها على المحاويج ، ودعا فجاءهم غبث مدرار أيّاما ، فقالوا له : كفينا ادع اللّه أن يقطعه ! فقال : ابعث إليّ خمسين ألف دينار حتى أدعو اللّه أن يقطعه . ففعل ذلك ففرّق المال على المحاويج ، ودعا اللّه تعالى فقطعه . واللّه الموفق . مكّة هي البلد الأمين الذي شرّفه اللّه تعالى وعظّمه وخصّه بالقسم وبدعاء الخليل ، عليه السلام : ربّ اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات . واجعله مثابة للناس ، وأمنا للخائف ، وقبلة للعباد ، ومنشأ لرسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلّم . وعن رسول اللّه ، عليه السلام : من صبر على حرّ مكّة ساعة تباعدت عنه جهنم مسيرة عام ، وتقرّبت منه الجنّة مائتي عام ! إنّها لم تحلّ لأحد كان قبلي ، ولا تحلّ لأحد كان بعدي ، وما أحلّت لي إلّا ساعة من نهار ، ثمّ هي حرام لا يعضد شجرها ويحتشّ خلاها ولا يلتقط ضالتها إلّا لمنشد . وعن ابن عبّاس : ما أعلم على الأرض مدينة يرفع فيها حسنة مائة إلّا مكّة ، ويكتب لمن صلّى ركعة مائة ركعة إلّا مكّة ، ويكتب لمن نظر إلى بعض بنيانها عبادة الدهر إلّا مكّة ، ويكتب لمن يتصدّق بدرهم ألف درهم إلّا مكّة !